السيد محمد باقر الصدر
42
فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 )
جديد إنساناً مثاليّاً في أفكاره وأعماله ، وإن لم يكن يؤمن بذرّة من القيم المثالية والأخلاقية . ولو تحقّقت هذه المعجزة فلنا معهم - حينئذٍ - كلام . وأمّا الآن فوضع التصميم الاجتماعي الذي يرومونه يستدعي حبس الأفراد في حدود فكرة هذا التصميم ، وتأمين تنفيذه بقيام الفئة المؤمنة به على حمايته ، والاحتياط له بكبت الطبيعة الإنسانية والعواطف النفسية ، ومنعها عن الانطلاق بكلّ أسلوب من الأساليب . والفرد في ظلّ هذا النظام وإن كسب تأميناً كاملًا ، وضماناً اجتماعياً لحياته وحاجاته ؛ لأنّ الثروة الجماعية تمدُّه بكلّ ذلك في وقت الحاجة ، ولكن أليس من الأحسن بحال هذا الفرد أن يظفر بهذا التأمين دون أن يخسر استنشاق نسيم الحرّية المهذّبة ، ويضطرّ إلى إذابة شخصه في النار ، وإغراق نفسه في البحر الاجتماعيّ المتلاطم ؟ ! وكيف يمكن أن يطمع بالحرّية - في ميدان من الميادين - إنسان حُرِمَ من الحرّية في معيشته ، ورُبِطت حياته الغذائية ربطاً كاملًا بهيئة معيَّنة ، مع أنّ الحرّية الاقتصادية والمعيشية هي أساس الحرّيات جميعاً ؟ ويعتذر عن ذلك المعتذرون ، فيتساءلون : ماذا يصنع الإنسان بالحرّية والاستمتاع بحقّ النقد والإعلان عن آرائه ، وهو يرزح تحت عبءٍ اجتماعيٍّ فظيع ؟ ! وماذا يجديه أن يناقش ويعترض ، وهو أحوج إلى التغذية الصحيحة والحياة المكفولة منه إلى الاحتجاج والضجيج الذي تنتجه له الحرّية ؟ ! وهؤلاء المتسائلون لم يكونوا ينظرون إلّاإلى الديمقراطية الرأسمالية ، كأ نّها القضيّة الاجتماعية الوحيدة التي تنافس قضيّتهم في الميدان ، فانتقصوا من قيمة الكرامة الفردية وحقوقها ؛ لأنّهم رأوا فيها خطراً على التيّار الاجتماعيّ العامّ ، ولكن من حقّ الإنسانية أن لا تضحّي بشيء من مقوّماتها وحقوقها ما دامت غير مضطرّة إلى ذلك ، وإنّها إنّما وقفت موقف التخيير بين كرامة هي من الحقّ